فصل: الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن مراسلة المشرق الأقصى ومهاداتهم

ووفادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل لما استولى السلطان على المغرب الأوسط بممالكه وأعماله وهنأته ملوك الأقطار وأعراب الضواحي والقفار وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق استجد أهل المغرب عزماً في قضاء فرضهم‏.‏ ورغبوا من السلطان إذنه لركب الحاج في السفن إلى مكة فقد كان عهدهم بعد بمثلها لفساد السابلة واستهجان الدول‏.‏فسما للسلطان في ذلك أمل ودخله بحرم الله وروضة نبيه الشوق فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة كتبه ونمقه أحمد بن حسن الكاتب المحسن‏.‏واستوسع في جرمه وجعل غشاءه من بديع الصنعة واستكثر فيه من مغالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت‏.‏ وجعلت منها حصاة وسط المغلق تفوت الحصيات مقداراً وشكلاً وحسناً‏.‏واستكثر من الأصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف وبعث به مع الحاج سنة ثلاث‏.‏وعنى بشأن هذا الركب فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمس ماية من الأبطال‏.‏وقلد القضاء عليهم محمد بن زغبوش من أعلام أهل المغرب وخاطب صاحب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته وأتحفه بهدية من طرف بلاد المغرب فاستكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة يقال إن المطايا كانت منها أربعماية‏.‏حدثني بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وماعونه‏.‏ونهج السبيل بها للحجاج من أهل المغرب فأجمعوا الحج سنة أربع بعدها‏.‏وعقد السلطان على دلالتهم لأبي زيد الغفائري وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الأول‏.‏وفي شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الأولين حملة المصحف ووفد معهم السلطان الشريف لبيدة بن أبي نمي نازعاً عن سلطان الترك لما كان تقبض على أخويه خميصة ورميتة إثر مهلك أبيهم أبي نمي صاحب مكة سنة إحدى وسبعماية فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره ويطوف على معالم المملكة وقصوره‏.‏وأوعز إلى العمال بتكريمه وإتحافه كل على شاكلته‏.‏ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وفصل منها إلى المشرق وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله فوزي حاجاً‏.‏ولشعبان من سنة خمس وصل أبو زيد الغفائري دليل ركب الحاج الآخرين ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان لما أسفهم صاحب مصر بالتقبض على إخوانهم‏.‏وكان شأنهم ذلك حتى غاضبهم السلطان‏.‏فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها وأهدى السلطان ثوباً من كسوة البيت شغف به واتخذ منه ثوبا للباسه جمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركاً به‏.‏ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه وذهب إلى المكافأة من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله من نوع الفيل والزرافة‏.‏وأوفد بها من عظماء دولته الأمير التليلي وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست بعدها‏.‏ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة واهتز السلطان لقدومها واستركب الناس للقائها‏.‏واحتفل للقاء هذا الأمير التليلي ومن معه من أمراء الترك وبر وفادتهم واستبلغ‏.‏في تكريمهم نزلا وقرى وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم‏.‏وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنته من بعده في تكريمهم فأحسن منقلبهم وملأ حقائبهم صلة وبراً‏.‏ وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع‏.‏ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان اعترضهم الأعراب بالقفر فأنهبوهم‏.‏وخلصوا إلى مصر بجريعة الذقن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها‏.‏وطال ما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه به يهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئاً‏.‏وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون أن الذين نهبوهم أعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبي حمو لعهدهم منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة‏.‏أخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الآبلي قال حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعد الحاج من أهل بلده مستصحباً كتاب الملك الناصر بالعتاب على شأن هؤلاء الأمراء وما أصابهم في طريقهم من بلاده وأهدى له مع ذلك كوزين بدهن البلسان المختص ببلادهم وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسي الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب فاستقل السلطان هديته تلك بنسبة ما أهدوا إلى ملك المغرب‏.‏ثم استدعى القاضي محمد بن هدية وكان يكتب عنه فقال له الآن اكتب إلى الملك الناصر ما أقول لك ولا تحرف كلمة عن موضعها إلا ما تقتضيه صناعة الأعراب وقل له أما عتابك على شأن الرسل وما أصابهم في طريقهم فقد حضروا عندي وأبنت لهم الاستعجال حذراً مما أصابهم وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل الأعراب فكان جوابهم إنا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في أعراب قبائلنا وأما الهدية فردت عليك أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف إلا الزيت وحسبنا به دهناً‏.‏وأما المماليك الرماة قد افتتحنا بهم إشبيلية وصرفناهم إليك لتفتح بهم بغداد والسلام‏.‏قال لي شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون أن انتهابهم كان بإذن منه وكان هذا الكتاب دليلاً على ما في نفسه‏.‏وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏.‏

  الخبر عن انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس أبي سعيد على سبتة

وخروج عثمان بن أبي العلاء في غمارة لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان ابن الأحمر المعروف الفقيه عند إجازته إليه بطنجة سنة اثنتين وتسعين كما ذكرناه وفرغ لعدوه تمسك ابن الأحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة إحدى وسبعماية في شهر شعبان منه‏.‏وقام بأمر الأندلس من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع‏.‏واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشيخة رندة كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه فاضطلع بأموره وغلب عليه‏.‏وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال إنه ابن الحكيم فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان كما نذكره‏.‏وكان من أول آرائه عند استيلائه على الأمر من بعد أبيه المادرة إلى إحكام ولاية السلطان واتصال يده بيده أوفد عليه لحين ولايته وزير أبيه أبا السلطان عزيز الداني ووزيره الكاتب أبا عبد الله من الحكيم فوفدوا على السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقيا بالقبول والمبرة‏.‏وجددت له أحكام الود والولاية وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب‏.‏وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالربط فبادروا إلى إسعافه وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم فوصلت سنة اثنتين وسبعماية‏.‏ وكانت لها نكاية في العدو وأثر في البلد المحروب‏.‏ثم بدا لمحمد بن الأحمر المخلوع في ولاية السلطان بمنافسات جرت إلى ذلك‏.‏وبعث إلى ابن أدفونش هراندة بن شانجة احكم له عقد السلم ولاطفه في الولاية فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث‏.‏واتصل خبره بالسلطان فسخطه‏.‏ورجع إليهم حصتهم آخر سنة ثلاث لسنة من مقدمهم بعد أن أبلو وأثخنوا وطوى لهم على النث واعتمل ابن الأحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة لسلطان والإرصاد لسطوه بهم‏.‏وأوعز إلى صاحب مالقة عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إساعيل بن محمد بن نصر وليه من دون القرابة بما كان له الصهر على أخته والمضطلع بثغر الغربية فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على بني العزفي والرجوع إلى ولاية ابن الأحمر‏.‏وكان أهل سبتة منذ هلك إبراهيم لفقيه أبو القاسم العزفي سنة سبع وسبعين قام بأمرهم ولده أبو حاتم‏.‏وكان أخوه أبو طالب رديفاً له في الأمر إلا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرياسة وإيثار أبي حاتم للخمول مع إيجابه حق أخيه الأكبر وإجابته الداعي متى روفع إليه فاستقام أمرهما مدة‏.‏وكان من سياستهما من أول أمرهما الأخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما والعمل بطاعته والتجافي عن السكنى بقصور الملك والتخرج عن أبهة السلطان لمكانهم فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائداً من البيوتات اصطنعوه وجعلوا له أحكام البلد وضبط الحامية فاضطلع بذلك سنين‏.‏ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزعات الرياسية وحجر عليه الأحكام في ذويه‏.‏ثم أغزى به أباه وطالبه بحساب الخراج لعطاء الحامية‏.‏وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريب به ثقة بمكانه واستنامة إليه‏.‏وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والأخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته‏.‏ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الأحكام بالقصبة على النث فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جارة سبتة ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصبحهم بأساطيله فشرع الرئيس أبو سعيد في إنشاء الأساطيل البحرية واستنفار الناس للمناغرة‏.‏وإن العدو له ولمالقة بمرصد وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات وأخفى وجه قصده عن الناس حتى أقلعت أساطيله وبيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس‏.‏وأرسى بساحتها لموعد صاحب القصبة فأدخله إلى حصنه فملكه ونشر رايته بأسوارها‏.‏وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا‏.‏وركب إلى ثور بني العزفي فتقبض عليهم وعلى ولدهم وحاشيتهم‏.‏وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم ونادى في الناس بالأمان وبسط المعدلة‏.‏وأركب بني العزفي في السفن إلى مالقة‏.‏ثم أجازوا إلى غرناطة وقدموا على ابن الأحمر فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم‏.‏وجلس له جلوساً فخماً حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنيات الأرزاق‏.‏واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا إلى المغرب بعد كما نذكر‏.‏واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها‏.‏وكان عثمان بن أبي العلاء بن عبد الحق من أعياض الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميراً على الغزاة الذين كانوا بمالقة وقائداً لعصبتهم تحت لوائه فموه بنصبه للملك بالمغرب‏.‏وخاطب قبائل غمارة بذلك فوقفوا بين الإقدام والإحجام‏.‏واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان فاستشاط لها غضباً وحمى أنفه بعزه‏.‏واستنفر الصريخ فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة‏.‏وجمع إليه العساكر وتقدم إليه بإحشاد قبائل الريف وبلاد تازى فأغذ السير إليها‏.‏وأحاطت عساكره بها فحاصرها مدة‏.‏ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره وأفرج عنها منهزماً فسخطه السلطان وزوى عنه وجه رضاه‏.‏وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة وبلاد غمارة وتغلب على تيكيساس وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست لسنة من استيلائهم على سبتة مقيماً رسم السلطان منادياً بالدعاء لنفسه فاعتزم السلطان على النهوض إليه عند الفراغ من أمر تلمسان لما كانت على شفا هلكة ومحاينة انفضاض لولا عائق الأقدار بمهلكه كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس

كان هؤلاء الرهط من بني عبد الواد ثم من بطون بني علي من شعب أبي القاسم‏.‏وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن بن كمي‏.‏ولما استقل برياسة أولاد علي زيان بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله نفس عليه كندوز هذا ما أتاه الله من الرياسة وجاذبه حبلها‏.‏ واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به‏.‏ ثم ناشب عليه أخلاط من قومهم وواضعهم الحرب‏.‏ وهلك زيان بيد كندوز وقام بأمر أولاد علي جابر بن يوسف بن محمد‏.‏ثم تناقلت الرياسة فيهم إلى أن عادت في ولد ثابت بن محمد واستقل بها أبو عزة زكدان بن زيان ولم تطل أيامه‏.‏والتحم بين أولاد كمي وبين أولاد طاع الله وتناسوا الإحن وصارت رياسة أولاد طاع الله ليغمراسن بن زيان‏.‏واستتبعوا قبائل بني عبد الواد كافة‏.‏ واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز فاغتاله ببيته‏.‏ دعاه لمأدبة جمع لها بني أبيه حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه بأسيافهم واحتزوا رأسه‏.‏وبعثوا به إلى أمهم فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفياً منه وحفيظة‏.‏وطالب يغمراسن بقية بني كندوز ففروا أمام مطالبته وأبعدوا المذهب‏.‏ولحقوا بالأمير أبي زكرياء بن عبد الواحد بن أبي حفص فأقاموا بسدته أحوالا‏.‏ وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز‏.‏ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة فراجعوا المغرب ولحقوا ببني مرين أقتالهم‏.‏ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل تلقاه من البر والترحيب بما ملأ صدره وأكد اغتباطه‏.‏وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه وأنزلهم هنالك‏.‏وجعل انتجاع إبله وراحلته لحسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخيه موسى من ذويهم وحاشيتهم وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه واكتفى به في كثير من أموره‏.‏وأوفده على المستنصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه‏.‏واستمر بنو كندوز هؤلاء بالغرب الأقصى‏.‏ واستمرت الأيام على ذلك وصاروا من جملة قبائل بني مرين وفي عدادهم‏.‏وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعلى‏.‏ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب وجه عزائمه إلى النبي عبد الواد ونازل تلمسان وطاول حصارها واستطال بنو مرين وذووهم على بني عبد الواد وأحسوا بها أخذتهم العزة بالإثم وأدركتهم النغرة فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان‏.‏ولحقوا بحاحة سنة ثلاث وسبعماية‏.‏ واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعماية فناجزوه الحرب بتادرت واستمروا على خلافهم‏.‏ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم وأوهنت بأسهم‏.‏وقتل جماعة من بني عبد الواد بأرعارن بامكا وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس وهدم تارودنت قاعدة أرضها وأم قراها‏.‏كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن وقد مر ذكرهم‏.‏ وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حروب سجال هلك في بعضها عمه علي بن يدر سنة ثمان وستين‏.‏وصارت أمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا‏.‏ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب وهدم تارودانت‏.‏ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها‏.‏وتزعم بنويدر هؤلاء أنهم مستقرون بذلك القطر من لدن عهد الطوالع من العرب وأنهم لم يزالوا أمراء بها يعقد لهم ولاية كابر عن كابر‏.‏ولقد أدركت بفاس على عهد السلطان أبي عنان وأخيه أبي سالم من بعده شيخاً كبيراً من ولد عبد الرحمن هذا فحدثني بمثل ذلك‏.‏ وأنهم ولد أبي بكر الصديق‏.‏والله أعلم‏.‏ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن مهلك المشيخة المصامدة بتلبيس أبي الملياني

قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية وما كان من ثورته بمليانة وانتزائه عليها‏.‏ثم إزعاج العساكر إياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة‏.‏ وأقطعه بلد أغمات طعمة فاستقر بها‏.‏وما كان منه في العيث بأشلاء الموحدين ونبش أجداثهم وموجدة السلطان والناس عليه لذلك‏.‏وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك‏.‏ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة فلم يضطلع به‏.‏ وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجن المال لنفسه وحاسبوه فصدقوا السعاية فاعتقله السلطان فأقصاه‏.‏وهلك سنة ست وثمانين واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستمعله في كتابته وأقام على ذلك ببابه وفي جملته‏.‏وكان السلطان سخطه على مشيخة المصامدة علي بن محمد كبير هنتاتة وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة وأوعز إلى ابنه علي الأمير بمراكش باعتقالهما فيمن لهما من الولد والحاشية‏.‏وأحس بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر‏.‏وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله لما كانوا كلهم ثقة أمناء وكانوا عند السلطان كأسنان المشط فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين كتاباً عن أمر أبيه يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين‏.‏ووضع عليه العلامة التي تنفذ بها الأوامر وختم الكتاب وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد وعجب الناس من شأنه‏.‏بما وصل الكتاب إلى ابن السلطان أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم وقتل علي بن محمد وعبد الكريم بن عيشي وولده عيسى وعلي ومنصور أبن أخيه عبد العزيز‏.‏وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه وأنفذ بريد باعتقال ابنه‏.‏وحرد على ابن الملياني فافتقد ولحق بتلمسان ونزل على آل زيان ثم لحق بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه وبها هلك‏.‏واقتصر السلطان من يومئد في صنع علامته على من يختاره لها من صنائعه ويثق بأمانته‏.‏وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته فاختصت من بعده لهذا العهد‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن رياسة اليهود بني رقاصة ومقتلهم

كان السلطان يوسف بن يعقوب في صباه مؤثراً للذاته مستتراً بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار‏.‏وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان‏.‏وكان خليفة بن رقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرماناً لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين بكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شؤونها فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده‏.‏ حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه واتصلت خلواته في معاقرة الندمان انفرد ابن رقاصة بخلوته لذلك مع ما كان له من القهرمة فعظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة‏.‏وتلقى الخاصة الأوامر منه فصارت له الوجاهة بينهم وعظم قدره بعظم الدولة‏.‏أخبرنا شيخنا الآبلي أنه كان لخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم وابن عم يسمى خليفة لقبوه بالصغير لمكانه هو من هذا الاسم‏.‏وكان له صهر يعرفون ببني السبتي كبيرهم موسى وكان رديفه في قهرمته‏.‏فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها العلية من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء فأهمه ذلك وترصد بهم‏.‏وتفطن لمذهبه فيهما خالصته عبد الله بن أبي مدين فسعى عنده فيهم‏.‏وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة واحدة‏.‏واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعماية بمعسكره من حصار تلمسان‏.‏وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم فلم يبق منهم باقية‏.‏واستبقى منهم خليفة الصغير احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعدما نذكر وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيلت عنها معرة رياستهم‏.‏ والأمور بيد الله سبحانه‏.‏

  الخبر عن مهلك السلطان أبي يعقوب

كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبدي الخصيان من موالي ابن الملياني يسمى سعادة صار إلى السلطان من لدن استعماله إياه بمراكش وكان على ثبج من الجهل والغباوة‏.‏وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه ولما كانت واقعة العز مولاه واتهم بمداخلة بعض الحرم وقتل بالظنة واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم‏.‏وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فعمد إليه وهو ببعض الحجر من قصره وآذنه فأذن له فألفاه مستلقياً على فراشه مختضباً بالحناء فوثب عليه فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هارباً‏.‏وانطلق الأولياء في أثره فأدرك من العشي بناحية تاسالة فتقبض عليه وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية‏.‏وصابر السلطان مثبته إلى آخر النهار ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وقبل هنالك‏.‏ ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة فدفن بها مع سلفه‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏ولاية السلطان أبي ثابت

  الخبر عن ولاية السلطان أبي ثابت واستلحامه المرشحين

وما تخلل ذلك من الأحداث كان الأمير أبو عامر ابن السلطان أبي يعقوب وولي عهده لما هلك طريداً ببلاد بني سعيد من غمارة والريف سنة ثمان وتسعين كما ذكرناه خلف ولديه عامراً وسليمان في كفالة السلطان جدهما فكان لهما بعينه حلاوة وفي قلبه لوطة لمكان حبه لأبيهما واغترابه عنه فحدب عليهما وأنزلهما من نفسه بمكان‏.‏وكان الأمير أبو ثابت عامر منهما صقر قومه إقداماً وشجاعة وجرأة وكانت له في بني ورتاجن خؤولة‏.‏فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه‏.‏وحصر لها الأمير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه عثر بمجمعهم اتفاقاً وحملوه على الطاعة‏.‏وكان أقرب للأمر منه لو حضره رجال فأعطى القياد في المساعدة وطوى على النث‏.‏وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان فبايعوا ابنه الأمير أبا سالم‏.‏وكان أمر بني مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد فبعث الأمير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للأمير أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن‏.‏وعقد لهما حلفاً على الإفراج عنهما على أن يمداه بالآلة ويرفعا له كسر البيت إن كان غير ما أمل وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بني مرين وأهل الحل والعقد إلى الأمير أبي ثابت‏.‏ وتفرد ببيعة أبي سالم البطانة والوزراء والحاشية والأجناد ومن إليهم وكان مسكنه بالبلد الجديد وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبأ كتائبه فوقف وبهت وخام عن اللقاء‏.‏ووعدهم الإقدام بالغداة وكر راجعاً إلى قصره‏.‏فيئسوا منه وتسللوا لواذاً إلى الأمير أبي ثابت وهو بمرقب من الجبل يطل عليهم حتى إذا انحجز أبو سالم بالبلد انحاش إليه الجملة دفعة واحدة‏.‏فلما استوفت العساكر والقبائل لديه زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه وانتهى إلى ساحتها معتماً‏.‏وخرج إليه الوزير يحلف بن عمران الفودودي فأرجل عن فرسه بأمر أبي يحيى وقتل بين يديه قعصاً بالرماح‏.‏وكان قريب عهد بالوزارة استوزره السلطان قبل مهلكه في شعبان من سنة ست‏.‏وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيره من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق العباسي وعيسى وعلي ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى‏.‏وأتبعهم الأمير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة فتقبضوا عليهم ونفذوا أمر السلطان بقتل أبي سالم وجمال الدين واستبقى الاخرين‏.‏وأمر بإحراق باب البلد ليفتحها العسكر فأطل عليه قهرمان دارهم عبد الله بن أبي مدين الكاتب وأخبره بفرار أبي سالم وباتفاق الناس على طاعته‏.‏ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى يفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل‏.‏وأمره الأمير أبو يحيى باعتقال أبي الحجاج بن أشقيلولة فاعتقله لقديم من العداوة كانت بينهما ثم أمر بقتله وإنفاذ رأسه فقتل‏.‏وأمر السلطان ليلتئذ بإضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام بات راكبا‏.‏ودخل القصر لصبحه فوارى جسد السلطان بعد أن صلى عليه‏.‏وغص بمكان الأمير أبي يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ عبد الحق بن عثمان ابن الأمير أبي معرف محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل إبراهيم بن عبد الجليل الونكاسي وإبراهيم بن عيسى اليرنياني وغيرهما من الخاصة فأشاروا بقتله‏.‏ ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته وابتغاء العصابة لأمره‏.‏وركب الأمير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان‏.‏ثم خرج على الخاصة‏.‏وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل‏.‏ثم برز السلطان إليهم وهو موثق فأمر بالإجهاز عليه ولم يمهله وألحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودي‏.‏وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط فرغب منه القرابة ففر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضيب ومسعود بن أبي مالك والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق‏.‏ ولحقوا جميعاً بعثمان بن أبي العلاء بمكانه من غمارة‏.‏وخلا الجو من المرشحين واستبد السلطان بملك قومه وأمن غوائل المنازعين‏.‏ولما تم له الأمر واستوسق الملك وفى لبني عثمان بن يغمراسن بالإفراج عنهم ونزل لهم عن جميع البلاد التي صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الأوسط من أعمالهم وأعمال بني توجين ومغراوة‏.‏ودعاه إلى بدار المغرب ما كان من اختلال عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة ودعائه لنفسه بين يدي مهلك السلطان وخروجه إلى بلاد غمارة واستيلائه على قصر كتامة‏.‏واعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الأمر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير إبراهيم بن عبد الجليل لما كانت حنيئذ عامرة بالساكن مستبحرة في الاعتمار ممتلئة من الخزائن والآلة فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعد أن استوفوا بالرحلة‏.‏وتركوها قواء خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بني مرين إلى المغرب وتحينوا لذلك فترات الفتن وطمسوا معالمها طمساً ونسفوها نسفاً‏.‏وقدم السلطان بين يديه من القرابة الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب في العساكر والجنود وعقد له على حرب ابن أبي العلاء‏.‏وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التي كانت بثغور الشرق لما نزل عنها جميعاً لبني عثمان بن يغمراسن‏.‏ وارتحل غرة ذي القعدة ودخل فاس فاتح سنة سبع وسبعماية‏.‏ والله أعلم‏.‏

  الخبرعن انتزاء يوسف في أبي عياد بمراكش وتغلب السلطان عليه

لما فصل السلطان أبو ثابت من معسكرهم بتلمسان إلى الغرب قدم بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب ابن السلطان أبي يوسف في العساكر والجنود وعقد له على حرب عثمان بن أبي العلاء كما ذكرنا‏.‏وعقد له على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبي عياد بن الحق وعهد له بالنظر في أحوالها فسار إليها واحتل بها‏.‏ثم حدثته نفسه بالانتزاء فقتل الوالي بمراكش واستركب واستلحق واتخذ الآلة وجاهر بالخلعان‏.‏وتقبض على والي البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعماية ودعا لنفسه واتصل الخبر بالسلطان لأول قدومه فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود الجشمي ويعقوب بن أصناك في خمسة آلاف من عساكره ودفعهم إلى حربه وخرج في أطرهم بكتائبه‏.‏وبرز يوسف بن أبي عباد وأجاز وادي أم ربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره وأتبعه الوزير ففر إلى أغمات‏.‏ ثم فر إلى جبال هسكورة ولحق به موسى بن أبي سعيد الصبيحي من أغمات تدلى من سورها ودخل الوزير يوسف في مراكش‏.‏ثم خرج في أثره ولحقه فكانت بينهما جولة وقتل منهم خلقاً ولحق بهسكورة‏.‏ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وأمر بقتل أوربة المداخلين كانوا له في انتزائه فاستلحموا‏.‏ولما لحق يوسف بن أبي عباد بجبال هسكورة نزل على مخلوف بن عبو وتذمم بجواره فلم يجره على السلطان‏.‏وتقبض عليه واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الأمر فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم بالسياط‏.‏وبعث رأس يوسف إلى فاس فنصب بسورها وأثخن بالقتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء فاستحم منهم أمماً بمراكش وأغمات‏.‏وسخط خلال ذلك وزيره إبراهيم بن عبد الجليل فاعتقله واعتقل عشرة من بني دولين من بني ونكاسن وقتل الحسن بن دولين منهم ثم عفا عنهم‏.‏وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش فتلقاه السكسيوي بطاعته المعروفة وأسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته‏.‏ثم سرح قائدة يعقوب بن أصناك في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال‏.‏ وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان‏.‏ وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش فاحتل بها غرة رمضان‏.‏ ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من شيوخ بني دورا‏.‏وجعل طريقه على بلاد صنهاجة‏.‏وسار في بلاد تامسنا وتلفاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم فاستصحبهم إلى أنفى وتقبض على ستين من أشياخهم فاستحلم منهم عشرين ممن نمي عنهم إفساد السابلة‏.‏ ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الأعراب أمة ممن يؤثر عنه الحرابة‏.‏ ثم ارتحل منتصف شوال لغزو رياح أهل أزغار والهبط‏.‏وأثار منهم بالإحن القديمة فأثخن فيهم بالقتل والسبي‏.‏ وقفل إلى فاس فاحتل بها منتصف ذي القعدة‏.‏ وجاءه الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان واستلحام الروم من عسكره ومهلك عبد الواحد الفودودي من رجالات دولته‏.‏وإن عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمره بجات غمارة فأجمع لغزوه‏.‏والله أعلم‏.‏